أخبار هامّةرياضة

إسبانيا تعود إلى قمة العالم… تفوق تكتيكي يعيد «لا روخا» إلى عرش الكرة العالمية

عاد المنتخب الإسباني إلى قمة كرة القدم العالمية، بعدما توج بلقب كأس العالم FIFA 2026 إثر فوزه على المنتخب الأرجنتيني بهدف دون مقابل بعد التمديد، في المباراة النهائية التي احتضنها ملعب ميتلايف في نيوجيرسي.

وبهذا الإنجاز، أحرزت إسبانيا لقبها العالمي الثاني بعد تتويجها الأول في جنوب أفريقيا عام 2010، لتصبح ثاني منتخب في تاريخها يبلغ نهائي كأس العالم، ويحقق الفوز في النهائيين معاً، محافظة على سجل مثالي في المباريات النهائية للمونديال.

لكن هذا النهائي لم يُحسم بلقطة فردية أو لحظة عابرة، بل كان انعكاساً لصراع تكتيكي بين مدرستين مختلفتين، انتهى بانتصار واضح للمنظومة الإسبانية.

دي لا فوينتي يفرض شخصيته… وسكالوني يبحث عن التوازن

دخل المدرب الإسباني لويس دي لا فوينتي اللقاء بثقة كبيرة في منظومته، محافظاً على الرسم التكتيكي 4-1-2-3 الذي قاد منتخب بلاده إلى إقصاء بلجيكا وفرنسا، دون أي تعديل جذري.

اعتمدت إسبانيا على فلسفتها المعتادة القائمة على الاستحواذ، والضغط العالي، وتدوير الكرة، والسيطرة على وسط الملعب، رافضة التخلي عن هويتها حتى أمام حامل لقب العالم.

في المقابل، قرأ ليونيل سكالوني المباراة بصورة مختلفة، فأعاد رودريغو دي بول إلى وسط الملعب ولعب بطريقة 442، وأشرك نيكولاس غونزاليس وغونزالو مونتييل لتعزيز الواجبات الدفاعية والحد من خطورة لامين يامال والأظهرة الإسبانية، مع الاعتماد على سرعة ليونيل ميسي وجوليان ألفاريز في التحولات المرتدة.

غير أن الخطة الأرجنتينية اصطدمت سريعاً بواقع فرضته إسبانيا على أرض الملعب.

استحواذ بلا منازع… وسيطرة كاملة على الإيقاع

منذ الدقائق الأولى، فرض المنتخب الإسباني شخصيته على المباراة، مستحوذاً على الكرة بنسبة 68%، مقابل 32% فقط للأرجنتين.

وأكمل الإسبان 803 تمريرات بدقة بلغت 90%، مقابل 445 تمريرة للأرجنتين بدقة 78%، وهو فارق يعكس الهيمنة الكاملة على بناء اللعب وإيقاع المباراة.

ولم يكن التفوق في الاستحواذ شكلياً، بل تُرجم إلى سيطرة هجومية واضحة.

فقد سدد المنتخب الإسباني 20 كرة، منها 11 بين القائمين والعارضة، بينما اكتفت الأرجنتين بثلاث محاولات فقط طوال اللقاء.

رقم تاريخي سلبي للأرجنتين

دخل المنتخب الأرجنتيني تاريخ كأس العالم من باب غير مسبوق، بعدما أصبح أول منتخب في تاريخ نهائيات كأس العالم لا يسدد أي كرة خلال الوقت الأصلي لمباراة نهائية.

ولم تأتِ أول محاولة أرجنتينية إلا في الدقيقة 117 عبر ليونيل ميسي، أي بعد مرور سبعٍ وعشرين دقيقة من الأشواط الإضافية.

ويعكس هذا الرقم حجم النجاح الذي حققته المنظومة الإسبانية في عزل ميسي ورفاقه، وقطع خطوط الإمداد عن الهجوم الأرجنتيني.

كما اكتفى ميسي بتسديدة واحدة طوال المباراة، بينما لم يسدد جوليان ألفاريز أي كرة، ولم يُجبر المنتخب الأرجنتيني الحارس أوناي سيمون على القيام بأي تصدٍ خلال اللقاء.

إصابة ليساندرو… نقطة التحول الأولى

تعرض المدافع ليساندرو مارتينيز للإصابة في الدقيقة 43، ليضطر سكالوني إلى إشراك نيكولاس أوتاميندي.

ورغم خبرة أوتاميندي، خسرت الأرجنتين بخروج ليساندرو عنصراً مهماً في سرعة تغطية العمق، إضافة إلى قدرته على إخراج الكرة تحت الضغط.

ومنذ تلك اللحظة، أصبح بناء اللعب الأرجنتيني أكثر بطئاً، وازدادت صعوبة الوصول إلى ميسي وألفاريز.

ومع بداية الشوط الثاني، دفع سكالوني بـ لياندرو باريديس لاستعادة السيطرة على الوسط، لكن البطاقة الصفراء المبكرة التي حصل عليها حدّت من قدرته على الضغط والالتحامات.

ثم أشرك ناهويل مولينا وجوليانو سيميوني وفاكوندو ميدينا، بحثاً عن حلول دفاعية وبدنية، إلا أن المنتخب الأرجنتيني بقي عاجزاً عن نقل اللعب إلى نصف ملعب إسبانيا.

دي لا فوينتي يكسب معركة البدلاء

على الجانب الآخر، نجح دي لا فوينتي في إدارة المباراة بصورة مثالية.

فقد زجّ بـ بيدري ونيكو ويليامز وفيران توريس وميكيل ميرينو، محافظاً على جودة الاستحواذ، ومضيفاً السرعة والاختراق والحركة المستمرة دون كرة.

أعاد بيدري الحيوية إلى وسط الملعب، بينما منح نيكو ويليامز زخماً كبيراً على الطرف، وأجبر الدفاع الأرجنتيني على التراجع باستمرار.

أما فيران توريس، فقدم نموذجاً للمهاجم الذي يؤدي دوراً محدداً بدقة.

فقد لمس الكرة 21 مرة فقط، لكنه سدد ثلاث مرات وسجل هدف المباراة الوحيد، مؤكداً أن مهمته الأساسية كانت إنهاء الهجمات لا المشاركة في صناعة اللعب.

كما صنع نيكو ويليامز هدف التتويج، ليؤكد نجاح تبديلات دي لا فوينتي.

لامين يامال… مصدر الخطر الدائم

واصل لامين يامال تقديم بطولة استثنائية.

فسدد أربع مرات، منها محاولتان على المرمى، وصنع فرصة محققة، وبقي مصدر الإزعاج الأول للدفاع الأرجنتيني طوال اللقاء.

وفي وسط الملعب، واصل رودري فرض هيمنته، بعدما لمس الكرة 116 مرة، وأدار إيقاع اللعب، ومنح الحرية لفابيان رويز وداني أولمو للتحرك بين الخطوط.

كما عكست أرقام المدافعين الإسبان جودة بناء اللعب من الخلف، إذ لمس باو كوبارسي الكرة 139 مرة، وبيدرو بورو 130 مرة، وإيميريك لابورت 103 مرات، في دليل واضح على قدرة إسبانيا على تدوير الكرة والخروج المنظم تحت الضغط.

مارتينيز يمنع خسارة ثقيلة

ورغم الخسارة، كان الحارس إيميليانو مارتينيز أفضل لاعبي الأرجنتين.

فقد تصدى لـ 11 تسديدة، وأبقى منتخب بلاده داخل المباراة حتى الشوط الإضافي الثاني.

وتشير بيانات المباراة إلى أن إسبانيا صنعت فرصاً بقيمة تقارب 1.94 هدف متوقع (xG)، بينما بلغت جودة التسديدات التي واجهها مارتينيز على المرمى نحو 2.75 هدف، لكنه لم يستقبل سوى هدف واحد، في واحدة من أفضل مبارياته رغم النهاية الحزينة.

الطرد الذي أنهى المقاومة

جاءت اللحظة المفصلية في الدقيقة 90+3، عندما حصل إنزو فرنانديز على البطاقة الحمراء، لتبدأ الأرجنتين الأشواط الإضافية بعشرة لاعبين.

منذ تلك اللحظة، اضطر سكالوني إلى تغيير خطته بالكامل.

فانتقل الفريق إلى الدفاع بكتلة منخفضة، باحثاً عن الوصول إلى ركلات الترجيح، قبل أن يخرج جوليان ألفاريز ويشرك المدافع ماركوس سينيسي، ليصبح ميسي وحيداً تقريباً في الخط الأمامي.

في المقابل، واصلت إسبانيا تدوير الكرة، واستغلال التفوق العددي، ونقل اللعب من جهة إلى أخرى حتى بدأت المساحات تظهر مع الإرهاق.

هدف التتويج… نهاية منطقية للمباراة

في الدقيقة 106، جاءت اللحظة التي انتظرها الإسبان.

أرسل نيكو ويليامز كرة متقنة داخل منطقة الجزاء، ارتقى لها فيران توريس وحولها برأسه إلى الشباك، مسجلاً هدف التتويج.

لم يكن الهدف مجرد لقطة فردية، بل كان خلاصة مباراة كاملة فرضت خلالها إسبانيا سيطرتها، واستنزفت منافسها، ثم استغلت التفوق العددي في اللحظة المناسبة.

انتصار المنظومة

في النهاية، لم يكن تتويج إسبانيا نتيجة هدف واحد فقط، بل ثمرة تفوق تكتيكي وجماعي واضح.

فرض المنتخب الإسباني أسلوبه منذ الدقيقة الأولى، وربح معركة الاستحواذ، وسيطر على وسط الملعب، ومنع الأرجنتين من التسديد طوال الوقت الأصلي، وكسب معركة البدلاء، واستثمر تفوقه العددي حتى سجل هدف الحسم.

أما الأرجنتين، فتأثرت بإصابة ليساندرو مارتينيز، وعانت من عزلة ميسي وألفاريز، ثم أصبحت مهمتها شبه مستحيلة بعد طرد إنزو فرنانديز.

وهكذا، استعادت إسبانيا كأس العالم بعد ستة عشر عاماً، وأضافت النجمة الثانية إلى سجلها، مؤكدة أن الجيل الحالي بقيادة لويس دي لا فوينتي نجح في كتابة فصل جديد في تاريخ الكرة الإسبانية، وأن فلسفة اللعب الجماعي والانضباط التكتيكي ما زالت الطريق الأقصر إلى قمة العالم.

بقلم المدرب بلال علوية

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى